• صور من الكفاح الوطني

    الوحدة الثانية : القيم الوطنية الإنسانية
    صور من الكفاح الوطني

     

      اعتاد أهل الحي أن يجتمعوا أمام أبواب دورهم في كل مساء، بعد رجوعهم من العمل، يتحدثون طويلا إلى منتصف
    الليل، يتبادلون أخبار الوطنيين، وعدد القتلى والمعارك، وما جد وما شاهدوه بأنفسهم. كنا ـ نحن الصبيان ـ نحاول أن نسرق السمع إلى أحاديثهم لنعيد صياغتها بيننا كمهتمين بما يشغل بال آبائنا.
              ومن بين تلك الليالي المثيرة لكل سكان الحي، الليالي المقمرة أي عندما يبلغ البدر تمامه، وقد شاعت في الحي إشاعة مفادها أن صورة الملك محمد الخامس قد ظهرت بكل جلاء في القمر، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة. كنا جميعا نصعد، نساء وأطفالا ورجالا، إلى سطح الدار ونبدأ في المراقبة والتأمل، وينطق أحد الكبار : ـ إنه هناك، هل رأيته؟ إنه يلبس الطربوش الوطني.
    وتردف للامينة :
    ـ والله العظيم إنه هو. الله أحبه وأراده.
               وبينما أنا أحملق بدوري وأمعن النظر في القمر، لم أكن أرى أثرا لأي صورة، ودققت النظر جيدا، فأصبت بالخيبة والإحباط، إذ لم أتمكن من رؤية الملك.
    كان الجميع يشاهد القمر، ويؤكد رؤيته لصورة الملك بكل قامتها، وإذا بطلقات الرصاص المتوالية تلعلع في الفضاء، وساد ضجيج بيننا، وأسرعنا إلى درج السطح نسعى إلى النزول الواحد تلو الآخر، ولم تمر إلا دقائق معدودة، حتى اهتز باب الدار بدقات عنيفة متوالية، وبمجرد ما فتح الباب، هجم عدد من العساكر وهم مدججون بأسلحتهم، وطوق بعضهم الغرف، وبدأ تفتيش دقيق لكل محتوياتها، والتأكد من هوية الموجودين بها. بقيت مسمرا خلف أمي إلى أن طلبت مني أن ألتحق بسريري وأتوسد الوسادة في هدوء.
               كان الرعب يسود كل من في الدار، و((الضاوية )) تولول واقفة أمام منسجها خائفة من أن تترامى إليه يد أحد الجنود الواقفين أمام غرفتها، وكان((السي عياد )) يحاول تهدئتها، أما ً للا هنية ً فقد وضعت أحد صغارها على ظهرها والآخر بين يديها، وهي حامل في شهرها الثامن، تردد:
    ـ يا الله، ماذا فعلنا؟ إنه يتحرك يا عباد الله!
    وهي تشير إلى بطنها. أما زوجها ((سي مبارك)) الدباغ، فقد أمسك بيد ولده الأكبر ويده الأخرى مرتفعة للدلالة على الاستسلام، بينما ((راوية)) هادئة تنتظر أمام غرفتها التي دخلها جندي يعبث بما في داخلها. وفي الوقت الذي كانت فيه عملية التفتيش جارية في السفلي، كان عدد من الجنود يفتشون الفوقي.
               وساد صمت رهيب إلا ما كان من حوار العساكر في ما بينهم، وهم يطلبون فتح الصناديق التي لم تكن تحتوي إلا على ملابس قديمة وأدوات لا قيمة لها. وبعد أن قلبوا الأفرشة رأسا على عقب، ولم يجدوا شيئا، بدأوا بالانسحاب، ولا أعرف هل سرهم ذلك أم أغضبهم.ومع خروجهم، عاد الجيران إلى وسط الدار يتداولون ويتساءلون عن سر هذا الهجوم، وعما كانوا يبحثون، وأجاب أبي، وكان أكثرهم شجاعة:
    ـ كانوا يبحثون عن السلاح أو عن أي وطني هارب.
               واستمر الحوار في ما بين الجميع، بينما انهمكت كل امرأة في ترتيب ما تم تشتيته وتوزيعه بين الأركان، وعاد أبي إلى الغرفة تحت إلحاح أمي التي خاطبته قائلة :
    ـ إن الله أنزل اللطف، لو رأوا العلم الذي تحت المخدة أو صورة الملك تحت آلة الخياطة، لو رأوا ذلك لأخذوك معهم.
               وبمجرد ما سمعت بوجود صورة الملك في الغرفة حتى أسرعت إلى رؤيتها، ورغم ممانعة أمي للحفاظ عليها في مخبئها، فلم أهدأ إلا بعد أن أمعنت النظر فيها طويلا ولأول مرة. وبعد حوار ساخن بين أمي وأبي حول الصورة والعلم وضرورة إخفائهما، فهمت أن الراية والصورة من الأسلحة الفتاكة التي يهابها الفرنسيون ويعاقبون أيا من كان إذا وجدت في حوزته.
               وأذكر مساء اليوم التالي، أني رأيت بين جموع الجيران، فوق السطح، صورة الملك واضحة في القمر، ولاشك أن انطباع الصورة في مخيلتي هيأ لي أني أراها حقيقة وأنا أنظر إلى القمر.
    الليل، يتبادلون أخبار الوطنيين، وعدد القتلى والمعارك، وما جد وما شاهدوه بأنفسهم. كنا ـ نحن الصبيان ـ نحاول أن نسرق السمع إلى أحاديثهم لنعيد صياغتها بيننا كمهتمين بما يشغل بال آبائنا.
              ومن بين تلك الليالي المثيرة لكل سكان الحي، الليالي المقمرة أي عندما يبلغ البدر تمامه، وقد شاعت في الحي إشاعة مفادها أن صورة الملك محمد الخامس قد ظهرت بكل جلاء في القمر، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة. كنا جميعا نصعد، نساء وأطفالا ورجالا، إلى سطح الدار ونبدأ في المراقبة والتأمل، وينطق أحد الكبار : ـ إنه هناك، هل رأيته؟ إنه يلبس الطربوش الوطني.
    وتردف للامينة :
    ـ والله العظيم إنه هو. الله أحبه وأراده.
               وبينما أنا أحملق بدوري وأمعن النظر في القمر، لم أكن أرى أثرا لأي صورة، ودققت النظر جيدا، فأصبت بالخيبة والإحباط، إذ لم أتمكن من رؤية الملك.
    كان الجميع يشاهد القمر، ويؤكد رؤيته لصورة الملك بكل قامتها، وإذا بطلقات الرصاص المتوالية تلعلع في الفضاء، وساد ضجيج بيننا، وأسرعنا إلى درج السطح نسعى إلى النزول الواحد تلو الآخر، ولم تمر إلا دقائق معدودة، حتى اهتز باب الدار بدقات عنيفة متوالية، وبمجرد ما فتح الباب، هجم عدد من العساكر وهم مدججون بأسلحتهم، وطوق بعضهم الغرف، وبدأ تفتيش دقيق لكل محتوياتها، والتأكد من هوية الموجودين بها. بقيت مسمرا خلف أمي إلى أن طلبت مني أن ألتحق بسريري وأتوسد الوسادة في هدوء.
               كان الرعب يسود كل من في الدار، و((الضاوية )) تولول واقفة أمام منسجها خائفة من أن تترامى إليه يد أحد الجنود الواقفين أمام غرفتها، وكان((السي عياد )) يحاول تهدئتها، أما ً للا هنية ً فقد وضعت أحد صغارها على ظهرها والآخر بين يديها، وهي حامل في شهرها الثامن، تردد:
    ـ يا الله، ماذا فعلنا؟ إنه يتحرك يا عباد الله!
    وهي تشير إلى بطنها. أما زوجها ((سي مبارك)) الدباغ، فقد أمسك بيد ولده الأكبر ويده الأخرى مرتفعة للدلالة على الاستسلام، بينما ((راوية)) هادئة تنتظر أمام غرفتها التي دخلها جندي يعبث بما في داخلها. وفي الوقت الذي كانت فيه عملية التفتيش جارية في السفلي، كان عدد من الجنود يفتشون الفوقي.
               وساد صمت رهيب إلا ما كان من حوار العساكر في ما بينهم، وهم يطلبون فتح الصناديق التي لم تكن تحتوي إلا على ملابس قديمة وأدوات لا قيمة لها. وبعد أن قلبوا الأفرشة رأسا على عقب، ولم يجدوا شيئا، بدأوا بالانسحاب، ولا أعرف هل سرهم ذلك أم أغضبهم.ومع خروجهم، عاد الجيران إلى وسط الدار يتداولون ويتساءلون عن سر هذا الهجوم، وعما كانوا يبحثون، وأجاب أبي، وكان أكثرهم شجاعة:
    ـ كانوا يبحثون عن السلاح أو عن أي وطني هارب.
               واستمر الحوار في ما بين الجميع، بينما انهمكت كل امرأة في ترتيب ما تم تشتيته وتوزيعه بين الأركان، وعاد أبي إلى الغرفة تحت إلحاح أمي التي خاطبته قائلة :
    ـ إن الله أنزل اللطف، لو رأوا العلم الذي تحت المخدة أو صورة الملك تحت آلة الخياطة، لو رأوا ذلك لأخذوك معهم.
               وبمجرد ما سمعت بوجود صورة الملك في الغرفة حتى أسرعت إلى رؤيتها، ورغم ممانعة أمي للحفاظ عليها في مخبئها، فلم أهدأ إلا بعد أن أمعنت النظر فيها طويلا ولأول مرة. وبعد حوار ساخن بين أمي وأبي حول الصورة والعلم وضرورة إخفائهما، فهمت أن الراية والصورة من الأسلحة الفتاكة التي يهابها الفرنسيون ويعاقبون أيا من كان إذا وجدت في حوزته.
               وأذكر مساء اليوم التالي، أني رأيت بين جموع الجيران، فوق السطح، صورة الملك واضحة في القمر، ولاشك أن انطباع الصورة في مخيلتي هيأ لي أني أراها حقيقة وأنا أنظر إلى القمر.


     

    عبد الغني أبو العزم                   “الضريح” . ص : 61                  دار تينمل للكباعة والنشر . الطبعة الأولى 1994

     


    * التعريف بالكاتب : [عبد الغني أبو العزم]

    مراحل من حياته أعماله
    - ولد في مراكش سنة  1941م
    - أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، عين الشق الدار البيضاء
    - تخصص في الدراسات المعجمية ، وهو رئيس الجمعية المغربية للدراسات المعجمية ، ومسؤول وحدة البحث والتكوين في علوم اللغة العربية والمعجميات.
    - النص والمنهج
    - المعجم المدرسي أسسه ومناهجه.
    - المعجم الصغير.
    - معجم تصريف الأفعال.
    - معجم الغني
    - أعز ما يطلب للمهدي بن تومرت (تحقيق).
    - الضريح (سيرة ذاتية).
    - الضريح الآخر، سيرة ذاتية (حصلت على جائزة الكتاب الكبرى).
    - الثقافة والمجتمع المدني.
    - ظلال البيت القديم (مجموعة قصصية).


     
    * ملاحظة النص واستكشافه :
    1- العنوان : يتكون العنوان من أربع كلمات تكون فيما بينها مركبين اثنين :
                            - الأول : إسنادي (صور من الكفاح)
                            - الثاني : وصفي (الكفاح الوطني)
    2- بداية النص : نلاحظ فيها مؤشرات دالة على السرد والحكي وهي : [ الشخصيات (أهل الحي) – الزمان (كل مساء) – المكان (أمام أبواب دورهم)]
    3- نهاية النص : نلاحظ فيها أن السارد يحكي بضمير المتكلم  (أذكر…  - رأيت… - مخيلتي… – أراها… – أنا أنظر…) ، مما يساعدنا على توقع نوعية النص.
    4- نوعية النص :  مقطع من سيرة ذاتية ذو بعد وطني.

    * فهم النص :
    1- الإيضاح اللغوي :
    - مفادها : معناها ومدلولها
    - مدججون : مثقلون بالأسلحة
    - تردف : تعقب وتتبع كلاما لآخر


    2- الحدث الرئيسي :
    يروي السارد أحداثا شهدها في طفولته زمن الاستعمار ، ويصور من خلالها تعلق المغاربة بوطنهم وكفاحهم ضد المستعمر.



    * تحليل النص :
    1- أحداث النص :

    حالة البداية الحدث المحرك العقدة الحل حالة النهاية
    اجتماع أهل الحي أمام دورهم في كل مساء قصد الحديث عن أخبار المقاومة ورؤية صورة الملك في القمر. اقتحام الجنود الفرنسيين للمنازل بحثا عن الأسلحة أو المقاومين خوف أسرة السارد بعد اقتحام بيتها والعبث بممتلكاته جاء الحل من الله ..يدل على ذلك كلام أم السارد : ((إن الله أنزل اللطف ، لو رأوا العلم الذي تحت المخدة أو صورة الملك… لأخذوك معهم)) تمكن الطفل من رؤية صورة الملك في القمر بفعل وعيه بمعنى الاستعمار والمقاومة

      

      

    2- شخصيات النص :

    سكان الحي الطفل العساكر
    - يمثلون المغاربة المصرين على مقاومة المستعمر ، والمتحدين فيما بينهم ، والواعين بضرورة جلاء المستعمر يمثل الإنسان البعيد عن الجماعة بجهله وعدم معرفته ، والقريب منها بفضل تعلمه وفهمه يمثلون المستعمر المعتدي الذي لا يحترم حرمة المناز والنساء والأطفال.


     

    3- الزمان والمكان :

    الزمان المكان
    - الزمن العام : فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب وخاصة بعد نفي محمد الخامس.
    - الزمن الخاص : كل مساء – منتصف الليل…
    - المكان العام : المغرب
    - المكان الخاص : أحد المنازل بمدينة مراكش

      


    * قيم النص :
    - قيمة وطنية : تتجلى في تصوير السارد وطنية المغاربة من خلال تعلقهم الشديد بملكهم لدرجة جعلتهم يتخيلون صورته في القمر
    - قيمة تاريخية : النص يؤرخ لفترة الاستعمار الفرنسي للمغرب وخاصة فترة الكفاح الوطني ونفي محمد الخامس.

        الرجوع



    المصدر:http://ar4coll.blogspot.nl


  • تعليقات

    1
    سامية
    الثلاثاء 8 ديسمبر 2015 في 20:42

    شكررررررررررررررررررررررررررررررررررراااااااااااااااااااااااااااااااااااااhappycool

    2
    الجمعة 18 ديسمبر 2015 في 21:44

    iman blk 19ans

    Suivre le flux RSS des commentaires


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق